News

A A عن «الرسالة» ومخرجه حكايات كثيرة

لندن: محمد رُضا

قرار السلطات السعودية السماح بعرض فيلم «الرسالة» بعد 40 سنة على منعه، يأتي في الوقت المناسب ضمن الحركة الجادة والنشطة لبلورة مجتمع سعودي جديد ومتقدّم يمتلك جدية السعي للانتقال قُدماً في مجالات كثيرة من بينها مجالات الفن والثقافة وقضاياهما المتعددة.«الرسالة» للمخرج الراحل مصطفى العقاد يحمل في طياته محاولة جسورة لتقديم أول عمل تاريخي ملحمي برؤية إنتاجية عالمية لولادة الإسلام ونشأته. وكان الاعتراض الذي ارتفع ما إن بدأ العقاد تصوير الفيلم في المغرب سنة 1975 هو أن الفيلم يخالف الشريعة الإسلامية بصرف النظر عن فحواه وهذا كاف للمطالبة بإيقاف العمل عليه وإن لم يكن فمنعه.- فيلم كاوبويلكن هناك الكثير من المسائل التي شابت قضية هذا الفيلم الذي عرض عالمياً ومُنع من العرض في معظم الدول العربية إلى أن بدأت قرصنته (غالباً) على شاشات المحطات التلفزيونية منذ عدة سنوات.يمكن هنا أن نبدأ من نقطة متأخرة من الحكاية. نقطة تشمل في الواقع الفيلم الآخر للمخرج مصطفى العقاد تمهيداً للانتقال مجدداً صوب «الرسالة».قبل عشرة أعوام خطر للرئيس معمّر القذافي أن يكتب قصّة سينمائية حول الاحتلال الإيطالي لليبيا. ووضع بالفعل الفكرة وتحمس لها. استدعى بعد حين المخرج السوري نجدت أنزور، وطلب منه أن يكتب عن فكرته سيناريو لتحقيق الفيلم الجديد.في لقائه الأول أبدى المخرج أنزور استغرابه وسأل القذافي عن السبب في رغبته تحقيق ذلك الفيلم، وهو الذي كان موّل فيلم مصطفى العقاد «أسد الصحراء» الذي دار حول الموضوع نفسه. فكان جواب القذافي له هو أن «أسد الصحراء» كان فيلم «كاوبوي».انطلق أنزور متسلحاً بنحو 50 مليون دولار وأنجز مقدّمة دعائية مصوّرة من نحو ربع ساعة كتمهيد للعمل. الأرجح أنها كانت تمهيداً لإقناع القذافي بأن أنزور يستطيع تحقيق المشروع المذكور فعلاً. لكن العمل على هذا الفيلم توقف فجأة إذ دخل على خطه المنتج التونسي طارق بن عمّار وأقنع القذافي، حسب روايات، بعدم تحقيق الفيلم واعداً إياه بالحصول على تعويض مادي لورثة ضحايا الاحتلال الإيطالي.- تسييسمصطفى العقاد لم يكن رجل مقايضات. كانت له أحلامه المادية بالطبع لكن من خلال السينما التي أحبها منتجاً ومخرجاً وعلى الغرار الدولي الذي نما عليه. ذلك الغرار المتمثل في أفلام ديفيد لين وجون هيوستون وسيسيل ب. ديميل. لم يسع لاتفاقات جانبية لتعزيز مكانته وفضل العودة إلى هوليوود منتجاً لأفلام لا علاقة لها بالإسلام وبالعرب على أن يقبل بتنازلات واجهها في محطات مختلفة.كان ترك حلب في أواخر الستينات بعد وقوعه في حب السينما. قال لي ذات مرّة: «تسلحت بـ300 دولار وبمصحف أعطاني إياه والدي. وهذا كل ما كان معي عندما وصلت إلى هوليوود».هوليوود حينها كانت لا تزال منازل ومؤسسات مزروعة وسط البراري وهو شق طريقه مساعداً في حلقات «الفرد هيتشكوك يقدم» وفي مسلسلات أخرى قام بإخراجها سينمائي مشهود آخر هو سام بكنباه.عندما وصل إلى بيروت للإعلان عن فيلمه الأول «الرسالة» كان ذلك في فترة حاسمة من حياة الفيلم وصاحبه. كان المغرب أوقف تصوير الفيلم فاتجه العقاد إلى القذافي لإنقاذ المشروع من الاندثار. ووافق على أن يتم التصوير في ليبيا ضمن الميزانية التي رسمها المخرج الأميركي - السوري.لم يكن في تصوّر العقاد أن الفيلم سيجد ممانعة رسمية عربية شاملة على هذا النحو: «في اعتقادي أنني لو صوّرته في المغرب لما شهد كل هذه الضجة التي أثيرت حوله». على ذلك، أطلق المخرج فيلمه هذا في عروض أميركية وأوروبية وآسيوية بنجاحات غير مسبوقة لفيلم ناطق بالعربية من قبل.هذا ما عزَّز انتقاله إلى الفيلم الآخر الذي تم تصويره في ليبيا - القذافي وهو «أسد الصحراء» أو «عمر المختار». هذه المرّة حاول القذافي التدخل لتسييس الفيلم متسائلاً عن تلك النهاية التي لم تعجبه. قال للعقاد إثر عرض الفيلم إنه لم يفهم المشهد الأخير الذي يلتقط فيه صبي من تلامذة عمر المختار النظارة الطبية التي سقطت على الأرض عندما تم تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بعمر المختار. قال له العقاد: «النظارة هي رمز العلم والقراءة. يعني المشهد أنه بالعلم والثقافة فقط نستطيع النجاح في شق الطريق أمام مستقبل أفضل. النظارة بالتالي هي رمز».لم يبدُ على القذافي كثير من الاقتناع، ولو أنه سمح بعرض الفيلم متوخياً نقل قضية ليبية وطنية ضد الاستعمار الإيطالي إلى العالم. وفعل الفيلم ذلك بلا ريب ما دفع القذافي للطلب من العقاد أن ينجز فيلماً عن حياته هو.لم يوافق العقاد على ذلك منتبهاً إلى الشرك الذي سيقع فيه إذا ما فعل. قال له: «أنا إنسان عربي تهمني القضايا العربية والإسلامية من دون تحبيذ. ليس في نيتي تحقيق فيلم عن زعيم أو سياسي منفرد، لأن هذا لن يكون مقبولاً لا مني ولا من النقاد. سيرون أنني تنازلت».كان ذلك آخر مشهد في العلاقة بين الاثنين وتكشف أن العملية، بالنسبة للعقاد، لم تكن مقايضة ربحية تعتمد العلاقات الخاصة، كما الحال مع رغبة العقيد تحقيق فيلم ابتزاز باسم ضحايا الاحتلال الإيطالي، بل سبر غور مشاريع سينمائية فعلية تتضمن ا

Link: https://aawsat.com/home/article/1295501/%D8%B9%D9%...